بقلم: د. محمد الشعار
أثار الهاشتاج الشهير "انتخبوا العر..." ردود فعل متباينة، ليس فقط بين المعارضين للانقلاب والمؤيدين له، بل بين المعارضين بعضهم البعض. ويما أن التباين أو التنازع بين المعارضين مرده إلى أسباب دينية وأخلاقية، نظرا لما يتضمنه الهاشتاج من سباب، فإن رد الأمر إلى الله ورسوله، أي الكتاب والسنة، بغية استجلاء الحقيقة وتبيان موافقتها للشرع من عدمه يصبح واجبا على الذين يريدون أن يلتزموا بأخلاق الإسلام.
وباعتبار أن المختلف فيه ما هو إلا لفظ من ألفاظ اللغة، يصير الاحتكام إليها لزاما على الذين يريدون استكناه الحقيقة والوقوف عليها، لا اتباع الانطباعات، التي هي بطبيعتها شخصية لا دينية.
وبداية أوضح أن اللفظ الذي هو محل التحليل وأمثاله لا ينتمي للعبارات التي تخضع لاختبارات الصدقية من عدمه، فلا يسأل قائله، أصادق هو أم كاذب. ولا يرد اللفظ إلى أصله ولا يلتمس معناه من بنيته. فلو كان الأمر كذلك ما كان في عبارة "يا ابن السوداء" إهانة. إنما هي ألفاظ تعبر عن انفعال، فهي ألفاظ انفعالية، يراد بها إهانة المقصود بها، والزراية به. والمعيار الحاكم لهذه الألفاظ هو تأديتها لما وضعت له، أي الإهانة من عدمها، فإن أدت مهمتها وفهمت على أنها إهانة، فهي ألفاظ أو عبارات ناجحة، وإن لم فهي غير ناجحة.
ومن هنا فإن ترجمة هذه الألفاظ والعبارات إنما يكون بإيراد المقابل من ألفاظ الإهانة في اللغة المنقول إليها، لا بنقل المفردات بمعناها في اللغة المنقول منها، إذا ما أريد للعبارة أن تؤدي مهمتها بنجاح، وأن تصل الرسالة المسكونة فيها. بحيث لا يحتاج أهل اللغة المنقول إليها إلى تحليل العبارة ابتغاء فهمها، بل عليهم أن ينفعلوا بها كما ينفعل أهل اللغة المنقول منها. وعليه فإن أفضل ترجمة إلى الألمانية مثلا هي: "Wähledas Arschloch!"
وحتى داخل اللغة الواحدة، فإنه لا معنى لاستخدام عبارات كانت تؤدي هذا الغرض ثم لم تعد تؤديه، أو تؤديه ولكن في محيط آخر غير محيط المتكلم، إذ الألفاظ والعبارات الانفعالية لا تستخدم إلا بحيث تعبر عن انفعال معين لتثير انفعالا مقصودا.
وتأسيسا على ذلك، فإن عبارة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لعروة بن مسعود في الحديبية "امصص بظر اللات"، لا تثير في نفسك انفعالا كالذي أثارته آنذاك، بل الذي يثيره عبارة من بيئتنا اليوم تؤدي نفس الأثر الانفعالي.
أما في الشرع، فإن المسلم مأمور صراحة بعدم التفحش، وهذه قاعدة غير أن لها استثناءات، مؤيدة للقاعدة على كل حال. فكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات؛ كالسلاح في المحاربات".
منها مواطن استجلاء الحقيقة في الأمور صاحبة العواقب الوخيمة، كالحدود. وفي هذا يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سأل ماعزا بلفظ الجماع الصريح دون كناية.
ومنها مواضع النزال والضراب، حيث النفوس مهيجة، ولا يتصور أن تخاطب عدوك الذي تقاتله ويقاتلك باللفظ الحسن، وفي هذا ما يرويه وحشي بن حرب عن حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لسباع بن عبد العزى ما يفهم منه الازدراء، قال: "وخرجت أنظر حمزة، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يُليق شيئا، فوالله إني لأتهيأ له إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى الخزاعي، فلما رآه حمزة، قال: هلم إليَّ يا ابن مقطعة البظور. ثم ضربه حمزة، فوالله لكأن ما أخطأ رأسه، ما رأيت شيئا قط كان أسرع من سقوط رأسه".
ومنها مواطن الرد على المسلم الذي ينسب نفسه إلى غير الإسلام ويعلي من شان عقائد وأيديولوجيات غير عقيدة الإسلام، ناهيك عمن يدعو إلى هذه العقائد والأفكار. هنا أمر رسول الله أن يسب فاعل ذلك بأقذع الألفاظ، لا أن يحترم ويجادل. ففي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا".
ومنها مواضع يكون فيها الإنسان مظلوما، وهي التي أشار إليها ربنا عز وجل في قوله: (لا يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)، ويقول ابن تيمية: "متى ظلم المخاطب؛ لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن". وإذا ما وقع في نفسك أنه ظلم بكيفية معينة يصعب تصورها، فإن سبب نزول الآية سيزيل عنك كل شك، فقد قيل إنها نزلت في رجل ضاف قوماً فلم يطعموه، فأصبح شاكياً، فلما عوتب على الشكاية، نزلت الآية.
في ضوء ما تقدم يصبح الحكم على الهاشتاج الشهير "انتخبوا العر..." من خلال عرضه على الكتاب والسنة وعلى مقاييس اللغة واضح لا لبس فيه ولا جدال.
فمن حيث الاستعمال اللغوي اللفظة ناجحة، حيث إن رسالتها واصلة من المتكلم إلى المخاطب على النحو الذي يريده المتكلم. ومن جهة الشرع، فالمخاطب بالهاشتاج مستحق للإهانة من عدة وجوه، فهو خصيم مبين والهاشتاج وسيلة شرعية لمحاربته، ثم هو بأفعاله وما هو ناتج عن جرمه منتسب لغير الإسلام، واسألوا عن الأم المثالية وعيد الفن في عهده وفتشوا عن علاقته بأعداء الدين وأعداء الوطن، وهو فوق ذلك ظالم أثيم، ودماء الأبرياء وحدها ناطقة بعظيم جرمه.
أما الذين انفعلت نفوسهم لكلمة هي أقل ما يقال في موضعها، ولم تنفعل لحرمة أنفس، وانتهاك أعراض، وإهدار أموال، وموالاة اعداء، ونشر فواحش، فلربما استحقوا - سنة وديانة - أن يقال لهم مثل ما هو في الهاشتاج.
