هناك ملابسات غريبة التصقت بعملية الإعداد للدستور الجديد وتسويقه أيضا ، حتى من قبل أن يتم الفراغ منه والانتهاء من الجدل حول بعض مواده ، كانت هناك حملة بدأت بنشر إعلانات ضخمة في الطرق الرئيسية وآلاف الملصقات الأخرى في شوارع القاهرة الرئيسية إضافة إلى إعلانات تليفزيونية وعبر بعض الإذاعات كلها تدعو إلى التصويت على الدستور الجديد بنعم ، وقد استمرت هذه الحملة بعد الانتهاء من الدستور وتسليمه للرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور ، فهناك حملة دعاية مكثفة في الشوارع ووسائل الإعلام المختلفة ، والأمر المحير أن هذه الإعلانات لا يعرف نهائيا من الذي يسوق لها ، ومن يتحمل تكاليفها ، هل هناك جهة رسمية في الدولة تتحمل نفقات هذه الدعاية المكثفة والتي تقدر إجمالياتها خلال الشهر الذي يسبق التصويت بمئات الملايين من الجنيهات ، وإذا كان الأمر كذلك فمن أي ميزانية تحسب هذه التكلفة ووفق أي بنود للصرف الرسمي ، لأن المفترض أن أي استفتاء دستوري الدولة ليست طرفا فيه ،ولا تنحاز إلى أي رأي فيه ، وإنما دورها احترام ما تفضي إليه الإرادة الشعبية والتي تبرز في نتيجة التصويت ، والأمر المؤكد أنه إذا ثبت تدخل أي جهة رسمية في هذه الإعلانات فإن هذه تمثل جريمة سياسية صريحة ويتوجب محاكمة الجهة التي ارتكبتها بوصفها تحاول التأثير على أصوات الناخبين بصورة غير مشروعة ، إضافة إلى إمكانية الطعن في الدستور الجديد وشرعيته بناء على تدخل الدولة فيه ، كما أن تورط الجهات الرسمية في مثل هذه الدعاية للتصويت الإيجابي لصالح الدستور الجديد يمكن أن يصنع رد فعل متشنج جدا على الطرف الآخر ، ويمكن أن يثمر عن حشد للتصويت السلبي العقابي ردا على محاولات السلطة التأثير والإكراه المعنوي على التصويت الإيجابي ، وكثيرا ما حسمت انتخابات سابقة بسبب التصويت العقابي . هل يمكن أن نفترض أن الدولة غير متورطة في هذه الدعاية ، وأن هذه الملايين الغزيرة ينفقها رجال أعمال ، فهنا يطرح السؤال نفسه ، ولماذا ينفق رجل أعمال عشرات الملايين من الجنيهات من جيبه لدعوة الناخبين للتصويت لصالح الدستور ، ما هي مصلحته في هذا الموضوع تحديدا ، وخاصة أن الدستور الجديد لن ينهي الانقسام السياسي والاجتماعي ، وبالتالي ستستمر الاختناقات الأمنية والسياسية والاقتصادية ، هل رجل الأعمال يأتي "بمال حرام" لم يتعب فيه حتى يبعثر عشرات الملايين منه في استفتاء يفترض أنه ليس له مصلحة مباشرة ومتحققة منه ، أم أن بعض الجهات الرسمية تطلب منه القيام بتلك النفقات ـ نيابة عنها ـ على أساس التعويض المضاعف بصيغ عديدة من خلال أدوات الدولة وبحارها الواسعة ، وأعتقد أن هذا الإنفاق الغزير من رجال أعمال ـ لو صح ذلك ـ يمكن أن يولد رد فعل غاضب من قبل ملايين المواطنين الذين يمكن أن يغضبوا من استخدام أموال الأثرياء لسرقة إرادة أمة بهذه الصورة . هل يمكن أن يكون الأمر كما يسرب بعض الإعلاميين ، أن دولة عربية خليجية صغيرة وثرية متعاطفة بقوة مع النظام الجديد هي التي تتحمل كامل نفقات هذه الدعاية ، وأن شركات دعاية واعلان مصرية كبيرة لها علاقات وطيدة مع تلك الدولة هي التي تقوم بهذه العملية دون أن يكشفوا عن الجهات التي تمولها ، ومرة أخرى ، إذا صح ذلك فهو مدعاة لموقف سلبي جدا عند التصويت من قبل ملايين المصريين ، الذين يستفزهم أن تحاول دولة أخرى توجيه اختيارات المصريين تجاه أهم وثيقة لإدارة شؤون حياتهم بهذه الطريقة ، وأن تتصور دولة أنها يمكن أن تبيع وتشتري في إرادة المصريين وأصواتهم بما يوجهها إلى حيث تشاء وتشتهي . في كل الأحوال ، ووفق كل الاحتمالات ، أتصور أن هذه الحملة الإعلانية الضخمة التي تنشط الآن في مختلف وسائل الإعلام والدعاية المسموعة والمرئية والمكتوبة للتصويت بنعم على الدستور الجديد ، يمكن أن تتسبب في مردود سلبي على عملية التصويت ، يأتي بنتيجة عكس ما هدف له ضخ هذا الأموال الهائلة . almesryoongamal@gmail.co
m

0
التعليقات





