اريد أن أشير إلى دراسة قمت بها سنة ٢٠٠٢م ؛ أي منذ ١١سنة ونُشرت تحت عنوان "لماذا يكره العالم أمريكا".. فى مجلة الهلال ، ومجلة المختار الإسلامى.. ثم تابعتها بمزيد من التحليلات سنة ٢٠٠٩ بعد زيارة أوباما لمصر.. بعنوان "عصر الفقاعات الكبرى" واستمرارا لهذا الخط من الدراسة جاءت سلسلة من المقالات ربما من أبرزها: "الفاشية الناعمة" و "مدرسة فرانكفورت" و "لكيْ تفهم أبعاد المؤامرة".. وكلها تكشف وتحذّر من أصل الداء والبلاء الذى تقذفنا به أمريكا مستعينة بقوى محلية وعربية ارتبطت مصالحها بمصالح أمريكا وإسرائيل فى المنطقة..
أجد اليوم أننى لا أزال بحاجة إلى أن أعيد إلى الذاكرة وأن أنبِّه من جديد حتى لا تضيع معالم الطريق الذى تسلكه الثورة على الانقلاب العسكري..فهذا الانقلاب ليس إلا وسيلة من وسائل الإمبريالية الأمريكية الصهيونية لإخضاع مصر والعرب والمسلمين بصفة عامة وتدمير أي بادرة أمل للتحرر من التبعية والهيمنة أو التطلّع إلى نهضة من أي نوع ..
ولا يخدعنّك التهريج السياسي والإعلامي الذى يحاول استغفال الناس بزعم خصومة مصطنعة بين الانقلابيين وأمريكا.. فهم صنيعة أمريكا وبعض إفرازاتها السامة فى مصر .. ولقد ذهبوا فى خداعهم إلى أبعد المدى بترويج أكاذيب فجة عن انحياز أمريكا للإخوان المسلمين.. فى حين أن أمريكا وإسرائيل تعلمان أن الإخوان المسلمين هم أشد القوى خطرًا عليهما وعلى مشروعهما فى السيطرة على المنطقة العربية..
أرجو أن أضع هذه الحقائق أمام القراء فهي نتيجة دراسة طويلة ومتأنية قمت بها قبل الثورة.. وقبل هذا اللغط الذى اختلط فيه الحابل بالنابل.. وضاعت فيه الحقائق الجوهرية البسيطة.. ومنها؛ أنه توجد أسباب كثيرة واضحة لكراهية الناس لأمريكا، لا خلاف عليها خصوصًا في العالمين العربي والإسلامي... من أشهرها:
أولاً: دعم أمريكا لإسرائيل؛ فلوْلا السلاح الأمريكي والمال الأمريكي والدعم الأمريكي المستمر ما كانت إسرائيل بهذه القوة ولا هذه الشراسة والإستهانة بكل القرارات والقوانين الدولية ..
ثانياً: دعم أمريكا للأنظمة القمعية في العالم العربي ..واضح وفاضح ومتواصل .. وتدرك الشعوب أن أمريكا قد ربطت مصالحها مع هذه الأنظمة وإن استمراها مرهون بالدعم الأمريكي.
ثالثاً: التدخلات العسكرية الأمريكية المتواصلة في البلاد المسلمة وعلى الأخص فى أفغانستان والعراق والبوسنة وكوسوفا والصومال..
ولكن لكي نقيّم عمق الكراهية لأمريكا فى مداها وأبعادها نحتاج إلى أن نغوص قليلا فى أسباب هذه الكراهية وأغوارها البعيدة، حيث توجد ثلاثة حقائق رئيسية في تحديد علاقة الولايات المتحدة بالعالم الخارجي:
أولى هذه الحقائق: أن هذه العلاقة تحكمها فكرة خطيرة، ملازمة للتفكير الأمريكي ؛ يمكن صياغتها في عبارة "المعرفة الجاهلة"؛ جاهلة بحقيقة الآخر بقدر ما هي جاهلة بحقيقة الذات، وأصدق تعبير عن ذلك تصريح الرئيس بوش الذي قال فيه: "إن الولايات المتحدة الأمريكية ليست أقوى وأعظم دولة في التاريخ الحديث فقط بل في تاريخ الإنسانية كلها .. وأن من حقها بل من واجبها أن تصوغ حياة البشرية وفق مبادئها الخاصة .. وأن تصْبغ عليها كل مزايا النظام الأمريكي"...! والذي لم يصرح به الرئيس بوش هو أن هذه الصياغة تقوم على أساس مبدئي هو مصالح أمريكا على حساب مصالح كل البشر.
ثاني هذه الحقائق: أن هذه العلاقة قائمة على أساس من النهب المنظم والمقنن لثروات العالم.
ثالث هذه الحقائق: أنه عندما لا تكفي الوسائل السلمية لتحقيق النهب المنظم تلجأ أمريكا لفرض العقوبات الاقتصادية أو إلى التدخل العسكري السافر تحت أي ذريعة.
حقائق أخرى تدمغ النظام الأمريكي فى علاقته بالعلالم الخارجي .. منها:
(1) مسألة حقوق الإنسان التى تشكل اكثر الأسلحة قوة فى ترسانة الدعاية الأمريكية .. وأسأل هنا: اين هى حقوق الإنسان فى معتقل جوانتانامو وبجرام وأبوغريب والمعتقلات السرية الأخرى العائمة الهائمة فى المحيط الهادى..؟ وأين موقف أمريكا من إهدار حقوق الإنسان الفلسطيني وفى غزة على وجه التحديد .!؟ بل أين هى حقوق الإنسان فى النظام الفاشي المسلط على فئات معينة من الشعب الأمريكي نفسه.. تعيش تحت إجراءات أمنية عنصرية إستثنائية .. من تنصّت وتفتيش ومصادرة أموال جمعيات خيرية يملكها المسلمون بالذات ...!؟
(2) المساعدات الأمريكية: هل صحيح أن أمريكا هي أكرم أمة في العالم وأنها أكثر الدول سخاء فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية..؟
أليست هذه أكبر فرية ..؟! وأنها واحدة من تجليات "المعرفة الجاهلة" والمبالغات الشائعة عن أمريكا..؟ هناك تقارير رقمية رصدتها جهات دولية محايدة منها "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" خلال الفترة من 1995 إلى 1999، تبرز لنا الحقائق التالية:
- تراوحت المساعدات الأمريكية للدول الأجنبية خلال هذه الفترة بين 6 إلى 9 بليون دولار، في حين بلغت المساعدات اليابانية عن الفترة نفسها من 9 إلى 15 بليون دولار .. يعنى أن اليابان التى لا يكاد الناس يسمعون عن مساعداتها الخارجية، تفوق كثيرا المساعدات الأمريكية التى يطنطنون لها فى العالم ..
- ومن حيث نسبة المساعدات الخارجية إلى جملة الإنتاج القومي تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية والعشرين بين الدول المانحة؛ مما جعل الرئيس الأسبق جيمي كارتر يعترف قائلاً: "إننا أكثر الدول بخلاً في العالم"، إذ تبلغ النسبة في أمريكا واحد من عشرة فى المئة من الدخل القومي ..
- إلى جانب أن أمريكا من أقل الدول في منح المساعدات هناك حقيقة أخرى أسوأ، وهي أنها تمنح مساعداتها بأسلوب انتقائي؛ حيث توجه خمسين في المائة من ميزانية المساعدات ، ليس إلى دول فقيرة ، بل إلى دول متوسطة الدخل.. وتحصل إسرائيل وحدها -وهي دولة غنية- على النصيب الأكبر من هذه المساعدات..!
- الأدهى من ذلك أن تعترف الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية بأن المستفيد الأول ببرنامج المساعدات الخارجية لأمريكا كانت أمريكا نفسها .. ثم تضيف: "إن 80% تقريباً من العقود والمنح تذهب مباشرة إلى مصانع أمريكية .. وهذا أحد شروط المساعدات الأمريكية لمصر مثلًا.. وأن هذه البرامج قد ساعدت في خلق أسواق جديدة للسلع الأمريكية ومئات الآلاف من الوظائف للأمريكيين ..!.
والخلاصة المفيدة أن المساعدات الأمريكية ليست أكثر من أداة لهيمنة الولايات المتحدة على الدول من ناحية، ولضمان أن يدفع فقراء العالم ضريبة لمساعدة شركات ووظائف أغنى دولة في العالم ...
وفى الإطار العالمي الأوسع سنجد أن من الأسباب الكبرى لكراهية العالم لأمريكا، عدم اكتراثها بالمشكلات التى تهدد الحياة على الكرة الأرضية.. وأشير هنا إلى موقف واحد فقط حدث في مؤتمر"كيوتو" باليابان: حيث اجتمع رؤساء دول العالم لوضع أهداف محددة لخفض نسبة الغازات المنبعثة من المصانع والسيارات التي تسببت في إحداث ثقب الأوزون وتغيير المناخ والاحتباس الحراري، ممّا يعرض الكرة الأرضية لكوارث طبيعية لاحدود لها .. فما الذي فعلته أمريكا وهى أكبر متهم فى هذه الجريمة الكونية..!؟
لقد اعترضت على بروتوكول كيوتو فقتلته في المهد، وكان عذرها أقبح من الذنب؛ فقد وقف الرئيس بوش الثاني يقول ببساطة واستعلاء وبلغة ركيكة: "أنا أقدّر رأيكم ولكن هذا موقف أمريكا لأنه مناسب لها ..!! ولكي أوضح الأمر لكم أقول: إننا لن نفعل أي شيء يسيء إلى اقتصادنا.. لأن أول كل شيء هو الشعب في أمريكا ..!".
يعنى باختصار: نحن (رغم أنفكم) لن نوافق على ما اتفقتم عليه.. ولتذهبوا جميعا وليذهب العالم معكم إلى الجحيم ...!!
وفى هذا السياق العالمي نورد بعض حقائق مذهلة عن معدلات الاستهلاك الأمريكي كما جاءت في تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة "UNDP" يقول التقرير: إن الأمريكيين وحدهم يستهلكون أكثر من نصف سلع العالم .. بينما يمثلون من حيث نسبتهم العددية أقل من خمسة بالمئة من سكان العالم؛ إنهم ينفقون عشرة بلايين دولار في السنة على طعام الحيوانات المنزلية مثل الكلاب والقطط، وهو مبلغ يزيد أربعة بلايين دولار عن المبلغ المطلوب لتوفير الغذاء والصحة لكل أبناء العالم المحتاجين للغذاء والصحة .. وينفقون سنوياً ثمانية بلايين دولار على أدوات الزينة وهذا المبلغ يزيد 2 بليون دولار عن الاحتياجات المطلوبة لتوفير التعليم الأساسي لشعوب العالم الثالث.
إن المجتمع الأمريكي برغم وسائل الإعلام الهائلة بل [ بسببها ] هو مجتمع مغلق عن الحقائق والقضايا الدائرة في العالم الخارجي .. فأجهزة الإعلام تحتكرها فئة قليلة من الشركات الكبرى ، وهي تعمل أساسًا لتجعل مشاهديها جهلاء ببقية العالم، واهتمامها الأكبر هو صناعة مستهلك سعيد .. لا مواطن عارف مستنير حر الفكر؛ يسأل عن السياسة الخارجية لحكومته ويحاسبها على أخطائها..
بل يقوم الإعلام الأمريكي بعملية غسيل مخ يومي للجماهير لتأكيد عقيدة يقينية لديه: أن أمريكا تملك صحافة حرة لا مثيل لها في العالم.. وأنها تدعو إلى الحرية وتدعم حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم.. و أن ثراء أمريكا مصدره فقط التجارة الحرة.. وأن أسلوب الحياة الأمريكية هو أفضل ما حدث في تاريخ البشرية كله؛ ومن ثم فلابد أن تكون أمريكا محبوبة وموضع إعجاب من كل إنسان.
الواقع العملي يقول أن هذه المزاعم كلها باطلة: من ذلك أن شعوب العالم تدرك كيف تتدخل أمريكا في انتخابات بلادها .. وكيف تموّل أحزابًا معينة وكيف تساندها عن طريق أجهزة المخابرات الأمريكية للاستيلاء على السلطة .. وفى هذا المجال يمكن ذكر أسماء 23 دولة حدثت فيها التدخلات الأمريكية ابتداءً من لبنان في الخمسينيات على عهد كميل شمعون حتى البوسنة سنة ؛ 1998 مرورًا بنيكاراجوا وبلغاريا وروسيا ومنغوليا وهاييتى وغيرها من الدول ..
وقد خبَرْنا مدى التواطؤ الأمريكي فى تزوير الإنتخابات العامة فى مصر سنة ٢٠٠٥م خصوصا فى المرحلتين الثانية والثالثة .. كان شارون يتابع الإنتخابات وهاله نجاح الإخوان فى المرحلة الأولى فإتصل ببوش وقال له إن إصراركم على حرية الإنتخابات فى مصر يوشك أن يضع الإخوان فى السلطة وسنكون محاصرين بحماس والإخوان...! وهكذا أطلق بوش يد مبارك فى تزوير المرحلتين التاليتين بلا حدود..
فى الإطار العالمي أيضا سنجد أن من الأسباب الرئيسية لمشاعر الكراهية الشاملة تجاه أمريكا :
السبب الأول: أن أمريكا قد صممت الاقتصاد العالمي متعمدة إثراء نفسها ووضع مجتمعات العالم الثالث في دائرة الفقر المدقع، تفعل هذا تحت شعار "السوق الحرة" حتى أصبحت الدول النامية عاجزة عن تقديم خدمات اجتماعية لشعوبها بطريقة منظمة ومتواصلة؛ فأمريكا من الناحية العملية تغتصب لقمة العيش من أفواه شعوب العالم الثالث، وقد شرحت هذه النقطة فى كتاب كامل بعنوان "نهب الفقراء"..
السبب الثاني: يرجع إلى مركز أمريكا المتضخم في العالم؛ بحيث أصبح من المستحيل معالجة المشكلات العالمية بدون تدخل أمريكا، فهي وحدها التي تستطيع أن تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو الصراع الهندي الباكستاني على كشمير، و بدون توقيع أمريكا أصبحت اتفاقية كيوتو، كما أصبحت محكمة جرائم الحرب الدولية مجرد حبر على ورق.. وبدون إيماء أمريكا بالموافقة لا يتحرك شيء في البنك الدولي ولا في فى مجلس الأمن.. هذا التضخم الهائل للغطرسة الأمريكية هو الذي يفزع العالم ويرعبه..!
السبب الثالث: تعتقد أمريكا أنها الأمة المختارة من الله ومن التاريخ لحكم هذا العالم، وهي تقصر الخير على نفسها ومن يحالفها .. وتجعل الشر كله من نصيب من يعارضها .. ولكنها وهي تفعل ذلك تبدو متناقضة مع نفسها، وهذا ما أبرزه بروس تون أستاذ بكلية التخطيط المدني والإقليمي بجامعة تنيسي في حديث له قال فيه: يتساءل الناس في أرجاء العالم لماذا تقول أمريكا شيئاً وتفعل شيئاً آخر مناقضاً لما تقول ..؟ لماذا تفرض على العالم معايير لا تطبقها على نفسها ..؟ كيف تستطيع أمريكا أن تقول أنها مستودع الخير كله، ومع ذلك تحمل هذا الاحتقار للفقراء وتنكر عليهم حقوقهم الأساسية في الغذاء والماء والدواء ..؟
السبب الرابع: لم تعد أمريكا فقط هي القوة الوحيدة الأعظم في العالم بل أصبحت القوة التى تحدد للعالم مفاهيمه ومصطلحاته.. بمعنى أنها هي التي تتصدى لتعريف العالم: ما الديمقراطية ؟وما العدالة؟ وما الحرية؟ وما حقوق الإنسان؟ .. وما التعددية الثقافية؟، ومن هوالأصولي ؟ ومن هو الإرهابي ؟ وما هو الإرهاب وما هو الشر ..!؟ .. أما بقية العالم فعليه أن يقبل هذه التعريفات دون جدل أو مناقشة.. إن أمريكا تعـرّف كل ذلك في إطار هويتها وتاريخها وخبرتها وثقافتها الخاصة .. وباختصار شديد في إطار مصالحها الخاصة .. ضاربة بمصالح البشر عرض الحائط..
وأقول تعليقًا على المشهد الأخير فى مسلسل الكراهية: لقد بلغت كراهية الشعب المصري لأمريكا ذروتها .. عندما أسفرت عن عداء هائل للثورة والربيع العربي.. وخلقت هذا الانقلاب العسكري فى مصر لتسلب الشعوب العربية بارقة أمل أشرقت فى سمائها المظلمة ساعة من الزمن ثم أطبق عليها الظلام الكثيف.. وذلك بفضل النفوذ الأمريكي الصهيوني على قيادات الجيش.. وعلى قطاعات أخرى فى مصر معادية للديمقراطية معادية لآمال الشعب فى الحرية والكرامة والعدل.. معادية للإسلام أن يكون مركزًا لتوجيه المسلمين فى حياتهم العامة..
myades34@gmail.com


0
التعليقات
















