/>

دولة العبث والاستهبال جمال سلطان






من بين المطالب التي حملتها ثورة يناير مطلب العدالة الانتقالية ، وهو المطلب نفسه الذي رفعته موجة 30 يونيو بين أبرز مطالبها أيضا ، وقد اضطر الفريق عبد الفتاح السيسي ومن معه أن يثبتوه في بيان 3 يوليو الشهير وهو البيان الذي حدد المعالم الأساسية لعمل الدولة في المرحلة الحالية ، وبناء عليه تم إيجاد منصب وزاري جديد هو "وزير العدالة الانتقالية" ، وعلى مدار أكثر من ستة أشهر حتى الآن لم نعرف لهذا الوزير أو تلك الوزارة أي عمل على الإطلاق ، غير التهجيص بكلام فضفاض لا معنى له للإيحاء بأننا نفكر وندبر ونظل نفكر وندبر ، المهم أن المستشار محمد المهدي وزير العدالة الانتقالية ، وفي لحظة مكاشفة مع الناس ، صرح أخيرا في حواره مع الزميلة "الشروق" بأن حكاية العدالة الانتقالية هذه ، هي كلام كده وكده كما يقولون ، وأنها غير ممكنة الآن والظروف لا تناسبها حسب قوله أو حسب النص الحرفي الذي أنقله عنه يقول : (بصراحة، ليس هذا وقت العدالة الانتقالية، لأن مشروع الدستور وضع هذا الأمر فى يد مجلس النوب الجديد بتكليفه إصدار قانون لتنظيم العدالة الانتقالية، سيشمل بالتأكيد المساءلة وكيفيتها والمصارحة وما يترتب عليها والإصلاح المؤسسى، فلا يمكننى الآن تطبيق العدالة الانتقالية وليس لدىّ ظهير تشريعى) ، والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا : حسنا ، ومعاليك جالس هنا بتعمل إيه ؟ وقد وجه له المحاور السؤال بلغة ألطف فأجاب الوزير ( دورنا هو إيجاد بيئة تشريعية مناسبة لتكون الأساس لوضع قانون العدالة، وينطلق منها البرلمان المقبل، ووضع تصور هيكلى لكيفية تحقيق العدالة الانتقالية) ، وبطبيعة الحال فالجواب استهتار بالعقل واستخفاف بالسامع ، لأن هذه البيئة والإعدادات يقوم بها مركز بحثي أو لجنة صغيرة أو مستشار ملحق بوزارة العدل ، فلماذا تكون هناك وزارة ووزير ومخصصات ووكلاء ومستشارين وهيصة كبيرة لا معنى لها إلا الضحك على الذقون كما يقال ، وإهدار المال العام ، وإيهام الناس أن الدولة مهتمة بموضوع العدالة الانتقالية . الوزير في الحوار نفسه ، كشف عن معلومة غريبة ، وهي أنه كان يرأس اللجنة الخاصة التي شكلها الرئيس المعزول محمد مرسي لدراسة ملفات السجناء الإسلاميين تمهيدا للعفو عنهم ، وكانت هذه اللجنة يشارك فيها اللواء أحمد جمال الدين وزير الداخلية السابق ومدير القضاء العسكري ومساعد النائب العام ، وأضاف الوزير المهدي قائلا : (ووضعنا قاعدة باستبعاد جميع من حُكم عليهم بالإعدام فى قضايا قتل أو اغتصاب أو هتك عرض أو تخريب، وكل الأسماء وقع عليها أحمد جمال الدين مدير الأمن العام فى ذلك الوقت) ، وهذه شهادة براءة ذمة صريحة للرئيس السابق ، بأنه لم يعمل في هذه المسألة من "دماغه" وإنما احترم المؤسسية في الدولة ، وأن قراره كان تصديقا على رؤية أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية ، وليس كما يصوره البعض ، وبالتالي إذا كانت هناك مسؤولية فإن الذي يتحملها بالضرورة والبديهة هذا الوزير وكل الطاقم المشارك له من النيابة والقضاء العسكري والداخلية ، غير أن المفاجأة الأكثر إثارة للدهشة أن هذا الوزير الذي رأس اللجنة التي قضت بحق هؤلاء المواطنين في تنسم الحرية هو نفسه الوزير الذي كلفوه الآن بمراجعة ملفات هؤلاء السجناء تمهيدا لإعادتهم للسجن إذا رأوا ذلك ، هل هناك تهريج أكثر من ذلك ، والدهشة لا تكتمل حتى تسمع من الوزير العادل إجابته عن السؤال حول التبرير الذي يمكن طرحه إذا كان الأمن العام قد قرر أنهم يستحقون الحرية ، فقال معالي الوزير نصا (يمكن جدلا أن يقول الأمن العام إنه تم إجباره على الموافقة) ، يعني بالمعنى البلدي "عيل وغلط" ، هل هذا منطق تدار به دولة أو تعمل وفقه ، أم أن هذا تهريج واستهبال وإهانة لفكرة الدولة في حد ذاتها . almesryoongamal@gmail.com twitter: @GamalSultan1





التعليقات
0 التعليقات