بوابة يناير | لاعودة للخصخصة”، هكذا صرح إبراهيم محلب رئيس الوزراء حاليا وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني سابقا بعد تعينه.
وجاءت تصريحات رئيس الحكومة المدعومة من الجيش متناقضة مع ما أعلنه منير فخري عبد النور وزير التجارة والصناعة والاستثمار مؤخرا عن إنشاء صندوق سيادي يضم شركات القطاع العام لطرح أسهمها بالبورصة وزيادة رأس مالها من خلال الاكتتاب العام.ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور رائد سلامة أن ما قاله عبد النور ماهو إلا إعلان عن عودة سياسات الخصخصة سيئة السمعة ولكن تحت واجهة أو غطاء جديد لخداع الناس.
ويقول سلامة إن الهدف الرئيسي لطرح أسهم الشركات العامة بالبورصة هو إحداث تغيير في تركيبة رأس مال هذه الشركات عن طريق دخول مستثمرين جدد وامتلاكهم حصصا في رأس مال الشركة، لتتحول ملكيتها تدريجيا من القطاع العام إلى مستثمر واحد أو مجموعة من المستثمرين.
” الحكومة تهدف إلى حشر مستثمرين في ملكية الشركات العامة، ليصبح لهم مقاعد داخل مجلس إدارة هذه الشركات، فيتمكنوا من اتخاذ قرارات تلحق الخسائر بالشركة تمهيدا لبيعها أو ليصبح عددهم أكبر داخل مجلس الإدارة فيتمكنوا من التصويت على قرار ببيع الشركة مستقبلا”، تابع سلامة.
وتقول الحكومة إنها لاتمتلك الموارد الكافية لهيكلة الشركات العامة وإنها تلجأ إلى البورصة للاستعانة بتمويل المستثمرين اللازم لعودة الإنتاج بهذه الشركات.
قانون يحصن صفقات البيع
يأتي إعلان الحكومة عن طرح أسهم الشركات العامة في البورصة لزيادة رأسمالها، بعدما أصدر رئيس الجمهورية القانون رقم 32 لسنة 2014 والذي يقصر حق الطعن على عقود البيع على المستثمر والحكومة، ليسد بهذا منفذا كان يستخدمه العمال والمواطنيين للطعن على صفقات الخصخصة التي شابها الفساد في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
دفع العديد من المراقبين بعدم دستورية هذا القانون ويقول محمدعادل سليمان- مدير وحدة التقاضي الاستراتيجي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – إن هذا القانون يحصن الفساد القديم ويمهد تربة خصبة للفساد مستقبلا.
وتدافع الحكومة عن القانون وتقول إنه ضروري لتشجيع الاستثمار، الذي تأثر سلبا بعد صدور أحكام من القضاء الإداري تبطل العديد من عقود الخصخصة التي أبرمت في عهد مبارك بناء على دعاوى رفعها عمال ومواطنون تدفع بفساد هذه العقود.
شركات عامة تعاني نقص التمويل
وبمحاذاة هذه الإجراءات، يقف على الجانب الآخر ماتبقى من شركات القطاع العام تعاني من نقص التمويل اللازم كي تعمل بكامل طاقتها، الأمر الذي دفع العديد من عمال هذه الشركات للاحتجاج والمطالبة بتوفير المواد الخام اللازمة للإنتاج.
إحدى هذه الشركات هي شركة غزل المحلة التي وقف محلب في أحدى شرفاتها منذ شهرين تقريبا، محدثا العمال عن رغبته في رؤية حد أدنى للإنتاج قبل الحديث عن حد أدنى للأجر، مطالبا إياهم بوقف الاحتجاج، باعثا رسائل طمأنة بأن لا بيع للقطاع العام.
غير أن ناجي عبد الحكيم – قيادي عمالي بغزل المحلة – يرى أن وعود محلب بضخ استثمارات بالشركة وإعادة هيكلتها لم ولن يتحقق منها شيئا.
فيقول عبد الحكيم إن المصنع حاليا يعمل بطاقة إنتاجية لاتتجاوز الـ30% لعدم توافر محصول القطن وإن عدم توافر قطع الغيار أدى إلى تكهين العديد من الآلات بالمصنع.
” كل ماتفعله الحكومة من الامتناع عن ضخ استثمارات كافية لزيادة مستوى الإنتاج والإحجام عن توفير قطع غيار بقصد تكهين الآلات ورفض تعيين أي عمالة جديدة بدلا من العمال الذين يحالون على المعاش هو جزء من مخطط إلحاق الخسائر بشركات القطاع العام كي تخلق مبررا لبيعها أمام الرأي العام”، قال ناجي.
ويبلغ عدد عمال شركة غزل المحلة حاليا حوالي 19 ألف عامل مقارنة بأكثر من 34 ألف عامل في عام 1984، بحسب عبد الحكيم الذي يرى أن الحكومة تعمد إلى خفض عدد عمال الشركات الحكومية الكبرى تدريجيا حتى يتثنى لها بيعها دون مقاومة كبيرة.
ويقول القيادي العمالي بالشركة” إن غزل المحلة ظلت تحقق أرباحا حتى عام 2004 ، لكن سياسات الحكومات المتعاقبة وعدم ضخ استثمارات دورية بالشركة ألحق بها الخسائر وأثقلها بديون تبلغ حاليا مليار و954 مليون جنيه”.
وفي حلوان، تعاني شركة الحديد والصلب من ظروف مشابهة، فمستوى الانتاج بالشركة لايتعدي نسبة الـ20% ولايعمل بالمصنع سوى فرن واحد من أصل أربعة أفران لعدم توافر الفحم الضروري لتشغيله، بحسب محمود، الذي يعمل بالشركة وفضل الإشارة إلى اسمه الأول فقط خوفا من تعرضه للفصل أو النقل التعسفي.
“حديث الحكومة عن عدم توافر موارد لضخ استثمارات بالشركة كذب، فالنظام يهدف إلى تخسير الشركة لإحياء مخطط بيعها الذي كان يعد له قبل الثورة لكنه فشل بسبب اندلاعها” قال محمود.
وتعاني أيضا شركة وبريات سمنود بالغربية من نقص التمويل الحكومي وعدم توافر المواد الخام اللازم لتشغليها، ما أدي إلى توقف المصنع عن العمل تماما وعدم حصول العمال على أجورهم طوال الأشهر التسع الماضية.
تعهد محلب أمام العديد من وسائل الإعلام بضخ استثمارات في شركات القطاع العام التي تعاني الإهمال ونقص التمويل، لكن الحالة التي تبدو عليها هذه الشركات وتضارب تصريحات المسؤلين حول العودة إلى سياسات الخصخصة أم الحفاظ على شركات القطاع العام، جعلت كثيرون يتخوفون من أن تلحق هذه الشركات بقطار الخصخصة الذي أطلق مبارك صافرة بدءه في تسعينات القرن الماضي.
رفض استرداد الشركات المبطل عقود بيعها
يضاف إلى كل ملامح المشهد السابق رفض الحكومة تنفيذ أحكام القضاء الإداري التي قضت ببطلان العديد من عقود الخصخصة التي تمت في عهد مبارك وعودة ملكيتها للدولة مرة أخرى.
ومن بين الشركات التي صدر بحقها أحكاما ببطلان صفقات بيعها شركة طنطا للكتان، عمر أفندي، أسمنت أسيوط، المراجل البخارية، النيل لحليج الأٌقطان، غزل شبين الكوم، سيمو للورق والشركة العربية للتجارة. وصدرت جميع هذه الأحكام بعد الثورة.
تشابهت حيثيات بطلان صفقات بيع هذه الشركات إلى حد كبير. فقد أشارت جميعها إلى بيع الأراضي والمباني والألات بهذه الشركات بثمن بخس مقارنة بقيمتها الحقيقة ووجود شبهات تواطؤ بين البائع”مسؤلين حكوميين” والمشتري “المستثمرين” ونوهت إلى ضياع حقوق العمال وفصل العديد منهم بعد إتمام البيع.
واستندت المحكمة في حيثيات حكمها إلى قانون قطاع الأعمال رقم 203 لسنة 1991، الذي تنص أحدي مواده بأن لا يجوز بيع شركة عامة إلا إذا كانت عاجزة عن تشغيل خطوط إنتاجها تشغيلاً اقتصاديًا أو أن يؤدى الاستمرار فى تشغيلها إلى تحميل الشركة خسائر مؤكدة.
واعتبرت المحكمة أن لجوء الحكومة إلى بيع العديد من شركات القطاع العام التي كانت تحقق أرباحا أمرا مخالفا للقانون السابق ذكره.
فلم تكن شركة عمر أفندي غزل شبين والمراجل البخارية وسيمو للورق وأسمنت أسيوط من الشركات الخاسرة وكانت تحقق أرباحا قبل بيعها. وتكبدت العديد منها خسائر بعد اتمام صفقات البيع.
ويرى الخبير الاقتصادي رائد سلامة إن المشكلة لم تكن فقط في أوجه التلاعب والفساد الذي تمت به هذه الصفقات وإن الخطر يكمن في سياسات الخصخصة نفسها.
فيقول “إن الخصخصة تعني انسحاب الدولة تدريجيا من أداء دورها الاجتماعي، تاركة المواطنين فريسة لأليات السوق، أبرز مثال على هذا هو شركة عمر أفندي، فبجانب بيعها بنصف ثمنها تقريبا، فإن الدولة تخلت عن دورها الاجتماعي في توفير منتجات بسعر معقول للمواطنين وتركتهم لأسعار السوق تطحنهم. كما أن بقاء عمر أفندي كملكية عامة كان يعني الحفاظ على عمالة الشركة دون تشريدها” .
ويبلغ عدد العمال الذين تم فصلهم من شركة عمر أفندي بعد بيعها حوالي 2433 عامل.
ويرى سلامة إن مجرد التكفير في بيع بعض الصناعات الاستراتيجية كشركات الحديد والصلب والأسمنت أمرا مرفوضا لإنه يشكل تهديدا للأمن القومي.
المصدر: بوابة يناير


.jpg)
0
التعليقات
















