فوجئت ببيان متهجم قام بتوزيعه على الصحف كيان يسمى نفسه «تيار الثقافة الوطنية»، وفهمت من لغة البيان الركيك، بعباراته المتلعثمة، أن اختيار هيئة الكتاب لى للمشاركة فى ندوة «طه حسين روائيا» بمشاركة الروائى الكبير «بهاء طاهر»، هو فى حقيقته اختراق إخوانى خطير للمنظومة الثقافية يستوجب تجريدة حربية شاملة لمنع كارثة!
ولى على البيان الصبيانى المثير للرثاء عدة ملاحظات:
أولا- افتقر البيان إلى فروسية المواجهة أو ملمح الشجاعة الأدبية والأخلاقية؛ فقد جبن المدبجون للبيان عن التوقيع بأسمائهم واحتمال التبعة الأخلاقية والقانونية وللمرة الأولى يخرج للناس بيان لقيط -سفاحا- بلا موقعين!
ثانيا- خرج البيان ضحلا، ضيق الأفق، سليط اللغة، عنصرى التوجه يكرس بنسق نموذجى كل الأمراض المتوطنة لشريحة من النخبة.
وهذه عينة من الألفاظ التى استخدمت فى معجم الرفاق: «شماشرجية - الفسدة - الخرفان - التافهون - الكذبة - تلقيح العاهرات - ثقافة السمسرة والبيع والقبض».
ولاحظت أن البيان عقر بكلمات لاذعة رموزا ثقافية تنتمى إلى المربع اليسارى وأخرى إلى المربع الليبرالى وثالثة تنتمى إلى الفكرة الوسطية الإسلامية، وهو ما يعنى أن الفيلق (الثقافى الوطنى) -كما يسمى نفسه- قرر فى الخيار الشمشونى اختصام الجميع ورجمهم بلعناته لتبقى ذاته العليا المقدسة -وحدها- تحوز الثقافة وتحتكر الفكر.
ثالثا- خرج البيان محفوزا بالهوس الأيديولوجى الأسود الذى يصر على صبغ المشهد بلونه. وكان واضحا أن هناك مرارة من مدبجى البيان المجهولين لأن رموز فيلقهم الكبير لم يتم اختيارها فى مواقع بارزة فى تشكيلات اللجان الجديدة، ولم يتم استضافتها فى ندوات هيئة الكتاب، ولم تتنسم عبق الذيوع الإعلامى على النحو الذى رسمته النرجسية المتورمة! وأقول للسادة الذين دبجوا البيان بخفة وسذاجة، لقد وصلت رسالتكم بالفعل إلى الرأى العام -فعليا- بلا أصباغ ولا مساحيق على النحو التالى:
«إما أن نشارك فى فعاليات الندوات وعضويات اللجان، وإلا ففوهة البنادق فى الانتظار وفيلقنا جاهز للانقضاض»! فبأى حياء يتحدثون بعد ذلك عن (الإرهاب والترويع) وقد استخدموا أردأ أنواع (العنف الرمزى) كما يسميه «بيير بورديو».
رابعا- تحدث البيان الصبيانى عن (تحالف الفساد والرجعية) دون أن يسوق وقائع، وتحدث عن عدائنا لتراث طه حسين التنويرى دون أن يسوق وقائع، وما لا يعلمه الفيلق الهمام أننى شاركت الفنانة التشكيلية الكبيرة «زينب منهى» مديرة متحف طه حسين السابقة فى الإعداد الشامل لثلاثة مواسم ثقافية شهدها المتحف بمشاركة كل رموز الفن والثقافة، وأننى كنت أختار الموضوعات والضيوف، وقد شهد الجميع بنجاح الندوات والفعاليات التى أدرت -شخصيا- كثيرا منها يوم كان الفيلق (الحنجورى) سابحا فى الغطيط والنوم ولم يقدم هؤلاء شاهدا أو دليلا على دفاعهم عن تراث طه حسين فضلا عن معرفته!! ففيم المزائدة الفجة؟!
خامسا- لم أزر مقار الإخوان يوما، ولم يتم اختيارى فى لجانهم وحقائبهم الوزارية طرفة عين، ولم أنعم بأية مزية قيادية فى عهدهم. بل إنهم سارعوا حين طرح اسمى فى بعض المواقع الثقافية إلى الرفض الحاسم بعد أن عاتبنى بعضهم على عبارتى (آنذاك): «د. هشام قنديل ليس رجل المرحلة» وعاتبنى آخرون على مواجهتى د. صابر عرب بأكثر من مائة مستند فساد أظهرتها للإعلام. فهل هذه هى (الأخونة) فى أعرافكم الكليلة؟!
سادسا- يشرع التيار المذكور لديكتاتورية سوداء تصبح المكارثية إلى جوارها حملا وديعا؛ إذ تخلو صفحتهم على (الفيس بوك) من أى رأى معارض أو ناصح أو متحفظ؛ فأفكارهم لا بد أن تقبل دون مساءلة وتجثم قسرا دون نقاش، بل إن (أدمن) الصفحة الهمام فضحهم -بخفة- حين اعترف بأن الصفحة تتعرض لهجوم اللجان الإلكترونية، بينما الصفحة أمامنا فارغة من أى رأى معارض بما يؤكد أن الرفاق (الليبراليين للغاية) والمحبين للحريات حتى الوله قد حذفوا كل التعليقات المعارضة! فيا له من ولاء لـ(طه حسين)؟!
سابعا- اختلفت مع الراحل د. نصر أبو زيد، واختلف معى باحترام دون أن يكفر أحدنا الآخر أو يتهجم عليه، وقد وجدت د. نصر الذى عارضته (حال حياته) أكثر تسامحا من بعض المتمسحين به؟! فهم يطلوبون منى (كمثقف) أن أطوف سبعا حول كتابيه: (مفهوم النص) و(الإمام الشافعى) كما يلمح البيان الهزلى؟!
بدا واضحا فى البيان المباحثى والاستعداد بنهج أمنى لا صلة له بالفكر الرصين بما فى ذلك جمع مقاطع اليوتيوب للمعارضين وإعداد الملفات الجنائية وصك التهم وتكييفها ببراعة أمنية تستأهل الإعجاب! وتشى بنوع الخبرات التى يتمتع بها التيار؟!
وأقول أخيرا لما يسمى بتيار الثقافة والوطنية الذى يمسك المقرعة للجميع بصلف: ماذا قدمتم أنتم للمشهد سوى السخائم والإقذاع والسم العنصرى الزعاف؟! وليس لدى ظل من شك فى أن الموجة الثورية القادمة ستكنس من طريقها حتما كل الكيانات الكرتونية المتطرفة، حتى إن توارت خلف واجهة تنويرية مدعاة»!!


0
التعليقات
















