الصيغة التي انتهى إليها الفصل الرابع من مسودة الدستور الجديد والمتعلقة بالدفاع والأمن القومي والقضاء العسكري تعني باختصار أن هذا البلد لم تمر عليه ثورة ، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت كما يقول العامة ، لأن هذا الفصل عندما يضاف إلى ما سبقه من نصوص عن سلطات رئيس الجمهورية وسيادته المطلقة على ما يسمى بالوزارات السيادية وانفراده باختيار وزرائها يعني أن مصر في طريقها من جديد إلى ما يمكن وصفه "تحزيم" الدولة عسكريا من جديد وبلغة دستورية أكثر صرامة من ذي قبل ، يعني أسوأ مما قبل ثورة يناير ، والجدل الحالي المتعلق بالقضاء العسكري خطير بالفعل ويستحق التأمل ، كما يستحق الكثير من الأسى والأسف أن يصوت لصالحه نقيب الصحفيين "الناصري" رغم أنه يعرض آلاف الصحفيين للمحاكمات العسكرية ، والآخر المبشر بالليبرالية الجديدة "عمرو الشوبكي" وأمثالهم ، أما أن يصوت لصالحه المخرج خالد يوسف أو محمد سلماوي فهذا منطقي جدا لولاء الاثنين وتاريخهما مع النظم العسكرية السابقة ، مادة القضاء العسكري تقول في نصها الحرفي : (القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره، بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن فى حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة.ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تمثل اعتداء مباشراً على منشآت القوات العسكرية أو معسكراتها أو ما فى حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد أو الجرائم التى تمثل اعتداءً مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم) ، وحتى لا تضيع وقتك فعليك أن تبدأ القراءة من أول حرف الاستثناء "إلا" بعد عبارة : لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري ، والشرح يتعلق من أول توصيف لفظ "الاعتداء" ومفهومه ثم تمر على لفظ "منشآت" ثم تعبر إلى لفظ "وما في حكمها" ، ثم تتوقف عند لفظ"الحدودية المقررة" ، ثم معداتها ومركباته ، ثم وثائقها أو أسرارها أو أموالها أو الاعتداء المباشر على ضباطها أو أفرادها ، فهذه كلها ألغام ، محصلتها أن أي مواطن يصدم سيارة لضابط عسكري مثلا في الشارع يمكن أن تصنف اعتداءا ويحول المواطن إلى محكمة عسكرية ، وأي مواطن في أي محافظة تصنف بأنها حدودية مثل سيناء أو مطروح أو البحر الأحمر أو غيرها يمكن تحويله لمحكمة عسكرية لأي واقعة حسب تقدير القضاء العسكري ، وأي مواطن يتظاهر في الشارع "فيشد" مع ضابط أو عسكري ، وكلمة من هنا وكلمة من هناك فهذا يعني تحويل المتظاهر إلى المحكمة العسكرية ، أما إذا ألقى في المظاهرة حجرا أو شمروخ من بتوع الألتراس فغالبا سيحصل على تأبيده في القضاء العسكري العادل أيضا ، وأما إذا جرؤ صحفي على أن ينشر أي خبر أو مقال أو تحليل عن شيء يتعلق بمنشآت القوات المسلحة حتى لو كانت دار المدفعية للأفراح والليالي الملاح فإنه سيقدم إلى المحكمة العسكرية وأي صحفي "يعتدي" بمقال نقدي أو تقرير مش لطيف أو خبر حراق على ضباط ، ناهيك عن أن يكون الضابط وزير الدفاع أو قيادة رفيعة فإنه سيتحول إلى المحكمة العسكرية ، وهو ونصيبه فيها ، وفي المحصلة فإن أي مشكلة أو أزمة تقع بين مواطن مدني ومواطن عسكري فإن المدني سيتحول إلى المحكمة العسكرية ، إلا إذا رأت هي غير ذلك ، أي أننا وفق هذا الدستور "الثوري جدا" نضع رقاب المواطنين جميعا تحت سيف المحاكم العسكرية ، وهي صيغة لا يمكن أن تجدها في أي بلد متحضر في العالم كله ، فقط يمكن أن تجدها في كوريا الشمالية أو سوريا بشار الأسد ، وبالمناسبة هناك أكثر من اثني عشر ألف مواطن مدني حوكموا عسكريا خلال العامين ونصف الماضيين لأسباب متطابقة مع ما ذكرته . التحزيم العسكري للدولة لم يتوقف عند مادة القضاء العسكري فقط ، بل إن هناك المادة المتعلقة بما يسمى "مجلس الدفاع الوطني" وهو كيان مستقل وسيادي ويتشكل برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزراء الدفاع ، والخارجية، والمالية، والداخلية، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة القوات البحرية، والجوية والدفاع الجوى، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع ، فإذا ضممت لهذه الصيغة أن رئيس الجمهورية وفق مسودة الدستور الجديد نفسه تجعل رئيس الجمهورية هو الذي يختار وزراء الدفاع والخارجية والداخلية ، وإذا أضفت لذلك التأكيد على أن مصر لا يصلح لها حاليا إلا رئيس عسكري ، فيمكنك أن تدرك أن مجلس الدفاع الوطني هو مجلس عسكري صرف ، وهو الموكول النظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد،وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة ، يضاف إلى "مجلس الدفاع الوطني" مادة أخرى لما يعرف باسم "مجلس الأمن القومي" وهي تقريبا من نفس الأعضاء السابقين بعد إضافة وزراء المالية والعدل والصحة ، وهذا المجلس يختص بإقرار استراتيجيات تحقيق أمن البلاد، ومواجهة حالات الكوارث والأزمات بشتى أنواعها، واتخاذ ما يلزم لاحتوائها، وتحديد مصادر الأخطار على الأمن القومى المصرى في الداخل، والخارج، والإجراءات اللازمة للتصدى لها على المستويين الرسمى والشعبى ، فإذا أضفت هذه الصلاحيات لما سبق في مجلس الدفاع الوطني فيمكنك أن تستوعب أن من يدير مصر وشؤون الدولة الأساسية فيها ويرسم سياساتها هي حكومة عسكرية واستخباراتية موازية غير خاضعة لأي رقابة شعبية من برلمان أو خلافه ، ويبقى للحكومة "العادية" المدنية المنتخبة التي يراها الناس أن تدير شؤون الثقافة والشعر والغزل العفيف ورصف الطرق والأمومة والطفولة . لدي إحساس لا أستطيع دفعه ، بأن واضعي هذا الدستور الجديد يتعمدون "تلغيمه" بما يصعب على أي وطني مصري أن يصوت عليه بالموافقة ، هذا إذا وصل إلى يوم الاستفتاء فعلا ، ولدي قناعة غامضة أن هذا الدستور لن يمر ، وأن بعضا ممن يتحمسون له يعرفون أنه لن يمر ، وأن هناك من يصرون على إبقاء وضع مصر الدستوري غامضا وغير واضح الملامح لعدة سنوات مقبلة وأن خارطة المستقبل بكامل مراحلها ، وكامل شخوصها الظاهرة حاليا ، ستصبح تاريخا من التاريخ في غضون ثلاثة أشهر من الآن على الأكثر
.


0
التعليقات
















