/>

هوامش على جدران الانقلاب (36) بقلم: د. حلمي محمد القاعود









بقلم: د. حلمي محمد القاعود
(وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ورُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا . فَذَاقَتْ وبَالَ أَمْرِهَا وكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) [سورة الطلاق: 8 و 9].
منشور 1: التقويم الصيفي
أقرّر أنا ساري عسكر بونابرتة فرنساوية أن التقويم الصيفي الذي ألغته ثورة يناير وآخر ما بقي من إنجازاتها قد عاد مرة أخرى كي لا يكون لهذه الثورة أثر على الإطلاق، ولا علاقة له بانقطاع الكهرباء الدائم المستمر وتصديرها إلى غزة، وإضاءة أعمدة الشوارع في النهار وعز الظهر.
لقد نجحنا بعد الانقلاب العسكري الدموي الفاشي في القضاء على كل ما يمت لثورة يناير بصلة. لم يعد هناك شيء اسمه الديمقراطية ولا الحرية ولا الكرامة الإنسانية. الديمقراطية وعليكم خير بعد 25 سنة ميلادية ويحيينا ويحييكم ربنا. الديمقراطية معناها إسقاط الدولة، والحرية الكلمة الملعونة كما سماها نجيب محفوظ لن يكون لها وجود في عهدنا الجديد. إياكم وذكرها أو ترديدها فأنا لا أعرف المزاح. الشغل شغل، والكلام الذي أقوله يجب تنفيذه على الفور دون تردد أو توان. لليمين در أو لليسار در!
أما حكاية الكرامة وحقوق الإنسان فضبط المجتمع يقتضي أن يتجاوز العسكر أحيانا، وأن يقوموا بتشغيل السلخانات في المعتقلات بما يجعل من يرفضون الانقلاب يكفون عن الرفض ويقدمون قرابين الولاء والطاعة لساري عسكر ويدعون له بطول العمر.
نحن الأسياد وأنتم العبيد. نسيتم أنني بطل الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين وأرض المقدسات؟ نسيتم أن السفاح إيهود باراك طلب من أميركا أن تكف عن انتقادي علانية وأن تدعمني حتى أقف في مشهد التنصيب، وأرتدي تاج السلطنة والزعامة وأسيطر رسميا بعد أن سيطرت فعليا على الحكم والقضاء والإعلام والمؤسسات والأحزاب والديوان الذي يزينه أصحاب العمائم الكبيرة واللحى التايواني وتواضروس ويعقوب اللعين وبرطلمين فرط الرمان ونيقولا الترك الرومي المنفوش والأمراء والكبراء والنساء المتبرجات الباحثات عن دكر. عاشت الإمبراطورية الفرنساوية !
منشور 2: رؤية الله!
داعب ساري عسكر الستات المتبرجات الباحثات عن دكر قائلا: "ست البيت والمرأة العاملة والمرأة المعيلة وأي ست عندها نفسها الأول وبيتها وأولادها وزوجها كمان, كل دول تحت السيطرة". وأكدت الستات أنهن يرغبن في قيادة حملة المرشح الدكر, فردّ قائلا: "وأنا موافق" مما دفعهن إلى إطلاق الزغاريد تعبيرا عن سعادتهن. قال لهن: "أنا هحاول أكون الصادق الأمين زي ما قلتوا وكمان القوي الأمين". وصار هناك مصطلح جديد اسمه "السيستانيات"وهن النساء المتحمسات لساري عسكر بونابرتة أكثر من الرجال.
تغزلت كاتبة عجوز في ملامحه فقالت: يبدو في ملامحه ابناً باراً لكل نساء مصر قبل أن يكون جاداً في أحلامه من أجلنا.. وقد زعمت جريدة مخابراتية أن ساري عسكر رأى الله مرتين! وجاء ذلك في سياق تأليهه وتشبيهه بالأنبياء والمرسلين، في ظل صمت تام من الشيخ البكري والشيخ المهدي والشيخ الصاوي وأصحاب اللحى التايواني الذين قاموا بتكفير معارضي الاحتلال والانقلاب وتأثيمهم ووصفهم بالخوارج. وقد انضم إليهم ساري عسكر نفسه وأثبت أنه تكفيري بامتياز أكثر من المشايخ التكفيريين، فوصف رافضي الانقلاب بأنهم لا يعرفون الله! وعلق خبيث بالقول: يحق له ذلك فقد قابل الله ولكني لا أعرف أين قابله؟ ولكن الجريدة المخابراتية نشرت له صورة وهو يصلي مثل الصورة التي نشرت قديما للبكباشي قائد الانقلاب الأول دليلا على شدة تدينه. ولا داعي للكلام عن الغدر والحنث بالقسم والتآمر على الرئيس يا نور عينينا !
منشور 3: انتصار الفرنجة !
أعلن ساري عسكر أن جماعة الإخوان لم تكن لديها فكرة عن كيفية إدارة الدولة المصرية، وحاولت بشكل مباشر وغير مباشر الدخول إلى مختلف مؤسسات الدولة والسيطرة عليها، وأوضح لوفد من السفراء أن الهوية المصرية وطنية وليست عقائدية، يعني الإسلام مالوش لازمة في حكاية الهوية، ولا بأس بالنصرانية فهي هوية المستقبل لأن الكنيسة صاحبة القول الفصل في هذا الموضوع.. وأضاف أن النظام السابق لم ينجح في صبغ الدولة المصرية بالصبغة الدينية (يقصد الإسلامية طبعا) من وجهة نظرهم لأنهم كانوا يسعون لإيجاد فاشية دينية وصراعا في المنطقة. ومن المؤكد أن فاشية العسكر التي صنعت المذابح واختطفت عشرات الآلاف وحرمت الإسلام أفضل من كل الفاشيات وأكثر حنانا منها.
وركب المشايخ والوجاقلية ومعهم بعض نصارى القبط ونصارى الشوام وغيرهم وقدم ساري عسكر الفرنساوية، وخلف ظهره عثمان بك البرديسي وعثمان بك الأشقر مع بعض الأعيان والأمراء واحتفلوا بانتصار الفرنجة على أولاد البلد من المصرلية. لقد أصبحوا فرنسيسا أكثر من الفرنساوية. 
منشور 4: البشير الإبراهيمي
استقبل ساري عسكر فرنساوية السفير الجزائري بالقاهرة ومندوبها الدائم لدى الجامعة العربية ليؤكد له أن مصر تحترم كل الأشقاء العرب وتقدرهم، وتحرص دائماً على أن تكون هناك علاقات طيبة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة، وأن ما قيل عن غزوه لبلاد البشير الإبراهيمي وليس الأخضر الإبراهيمي في ثلاثة أيام أكاذيب لا أساس لها من الصحة، فحزب فرنسا الجزائري يشبه حزب أميركا المصري. كلهم عساكر، وكلهم ضد الإسلام، وأذرعهم الإعلامية لا تكل ولا تمل من التشهير بالإسلام، وتعمل على إلغاء الأزهر ذاته عقل الإسلام ومرجعيته كي لا يكون هناك إسلام من أصله، وقد زايد المرشح الانقلابي السنيد على ساري عسكر حين أعلن أنه لا وجود للإخوان المسلمين بعد الآن، ولو كانوا يمثلون نصف الشعب المصري على الأقل بحكم مؤيديهم ومن يرفع راية الإسلام بجوارهم. فالسنيد يعلم أنه نور عينينا وأنه صنيعتنا، ولو عصر الشعب الموالي للفرنساوية ليمونا وانتخبه، فلن يخطو إلى عتبة الاتحادية، لأننا لا نمزح. وتذكر أن ساري عسكر سيد المشرقين والمغربين.
وقد أولم مراد بك بقصره في جزيرة الذهب وليمة عظيمة للفرنساوية وساري عسكرهم بمناسبة الظفر على المصرلية وسلمهم ما جمعه من أغنام وخيول وميرة، وكان شيئا كثيرا، مؤكدا مبايعتهم على البقاء في بر مصر إلى أبد الآبدين، وعلى الزعران والحرافيش والألاضيش وأولاد البلد أن يضربوا أدمغتهم في الحائط !

التعليقات
0 التعليقات